الأوراش الكبرى المؤجلة

الدار البيضاء اليوم  -

الأوراش الكبرى المؤجلة

احمد عصيد

ما صرح به الدكتور عباس الجراري في اللقاء الوطني الذي نظمه الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية، بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية الذي يوافق الثامن عشر من دجنبر من كل سنة، والذي لم أتمكن من حضور جلسته الافتتاحية بسبب تزامنها مع نشاط آخر، يستحق منا وقفة تقدير واهتمام بسبب ما ورد فيه من آراء نقدية ومقترحات عميقة وبناءة، نتقاسمها باقتناع وندافع عنها، وإن كانت لا يتم فهمها واستيعابها عندما نعبر عنها نحن المشتغلون في مجال ثقافي آخر هو المجال الثقافي الأمازيغي، حيث يعتقد المدافعون عن العربية بأننا نرمي إلى الإساءة إلى العربية أو التقليل من شأنها، بينما يتعلق الأمر بنفس الأفكار النقدية التي يحملها الكثير منهم، والتي ما زالت لم تتحول إلى أوراش عمل دائمة وفعالة، مما يجعلها أوراشا معلقة أو مؤجلة باستمرار، حيث تعطى الأهمية والأولوية للدفاع عن موقع العربية داخل المؤسسات في مواجهة اللغات الأجنبية أو اللغات الصاعدة كالأمازيغية، بينما كان ينبغي في تقديري الاقتداء بأسلوب العمل الذي انتهجه المشتغلون في مجال الثقافة الأمازيغية، والذي هو المزاوجة بين العمل النضالي والعمل العلمي والفكري الذي يهدف إلى تهيئة اللغة وتطويرها وتأهيلها للعب أدوار ووظائف جديدة.

لا شك أن الأخصائيين في اللغة العربية قد عقدوا الكثير من المؤتمرات واللقاءات العلمية من أجل البت في قضايا هذه اللغة سواء من الناحية المعجمية أو المورفولوجية والتركيبية، لكن الملاحظ أن هذه اللقاءات غالبا ما تكتسي طابع العمل النظري الذي سرعان ما تتناسى نتائجه، في الوقت تحتاج فيه اللغات لمعامل اشتغال دائمة ذات صلة بمراكز القرار حتى تتحول نتائج البحوث العلمية إلى أساليب تدبير مؤسساتية، ومن هنا أهمية إخراج أكاديمية اللغة العربية إلى حيز الوجود.

لكن أوراش العمل التي يقترحها الدكتور عباس الجراري بحاجة أولا إلى إزالة مجموعة من العوائق الإبستمولوجية والإيديولوجية والتي منها:

ـ اعتبار أي نقد موجه لوضعية العربية ونسقها ومعجمها إساءة لها ومؤامرة تهدف إلى التقليل من شأنها أو تبرير تهميشها، وعدم اعتبار ذلك النقد عامل تطوير لهذه اللغة كغيرها من اللغات.

ـ الاعتقاد بأن العربية كاملة لا يعتريها نقص ولا حاجة بها إلى أي تجديد، وربطها المفرط بالدين إلى درجة تقديسها مما يعوق بنجاح كل عمليات تطويرها التي تحتاج إلى الكثير من التحرر الفكري والكثير من الشجاعة. فما يتم ترويجه مثلا من غنى معجم اللغة العربية والاستدلال على ذلك بأدلة من التراث، لا يتطابق مع حاجة العربية إلى المعجم العلمي الحديث وعدم مواكبتها للانفجار المعرفي الحادث في العالم، والذي أصبح يقاس بالثواني والدقائق، ذلك أن تدريس العلوم في الجامعة والمعاهد العليا يقتضي متابعة حثيثة للحقل العلمي وإبداعا معجميا متواصلا. وقد سبق للدكتور عبد الله العروي أن أبدى ملاحظات عديدة حول نسق العربية ونحوها وصرفها ومعجمها لكن آراءه لم تلق الآذان الصاغية.

ـ اعتبار أي اهتمام بلغة وطنية أخرى مخططا لإضعاف العربية أو مزاحمتها، واعتبار أن العربية لا يمكن أن تحيا وتزدهر إلا على حساب اللغات الأخرى، وهذا نتج عن الغلو الإيديولوجي لبعض التيارات كالقومية العربية والإسلام السياسي، ومثال ذلك ما ذهب إليه الراحل محمد عابد الجابري عام 1974 من ضرورة "إبادة اللهجات البربرية" لكي تنهض العربية وتنتشر، وما عبر عنه الشيخ المرشد الراحل عبد السلام ياسين عام 1996 من اعتبار الأمازيغية "ضرّة" للعربية مهمتها التشويش على لغة الضاد وعرقلة أدائها لمهمتها الشريفة والنبيلة، وهو نفس الرأي الذي ذهب إليه الدكتور أحمد الريسوني مؤخرا والذي استعمل بدوره كلمة "الضرة"، وهذا كله خطأ، إذ هو أسلوب في التفكير يتناقض مع المنطلقات العلمية، كما يتنافى مع النظرة الديمقراطية المنصفة، ذلك أن لكل لغة مكانتها في السياسة اللغوية المتوازنة والعقلانية، إذ المطلوب تدبير التنوع وليس إلغاؤه أو اختزاله إلى عنصر أو عنصرين.

ـ العمل على إيجاد حل لمشاكل تدبير العربية على رقعة واسعة ممتدة على بلدان ودول عديدة، مما يجعل الاجتهادات المعجمية أو النسقية في اللغة العربية لا تلقى الإجماع والاتفاق المطلوب، وبالتالي تجعل من غير الممكن تطبيقها في هذا البلد أو ذاك، لأنها إن تم إقرارها في بلد لا تلقى نفس الترحيب في بلد آخر، ومثال ذلك ترجمة المصطلحات العلمية التي تختلف اختلافا كبيرا بين المغرب وبلدان المشرق.

وبهذا الصدد فقد أشار الدكتور عباس الجراري إلى ضرورة استفادة العربية من العمل الذي يتمّ على اللغات الوطنية الأخرى، وهذه التفاتة هامة، لأن النهج الذي اتبع في مشروع النهوض بالأمازيغية والذي أصبح نموذجا يقتدى في المنطقة كلها، لم يكن له أي صدى على تطوير اللغة العربية والاشتغال عليها. فالمقررات الدراسية الأمازيغية والكتب المدرسية مثلا التي لم يشرع في وضعها إلا من سنة 2003 تعدّ نموذجا متقدما في انسجامه مع مقتضيات البيداغوجيا العصرية لتدريس اللغات، في الوقت الذي ما زالت فيه أساليب تدريس العربية بطيئة التطور بسبب رسوخ النظرة التقليدية إلى هذه اللغة.

ونعتقد أن الأوراش الكبرى للغة العربية والتي يعيها الأخصائيون في هذه اللغة وعيا تاما تتعلق أساسا بضرورة النظر في النحو العربي وتحديثه بسبب الصعوبات الجمة التي يصادفها الأطفال والكبار على السواء في تعلمه، وكذا النظر في الإملاء وتنميطه تنميطا حديثا، والعمل على إغناء المعجم سنويا بأعداد كبيرة من المصطلحات الفلسفية والعلمية لأن هذا يعدّ من مظاهر حيوية اللغات ومواكبتها للعصر.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأوراش الكبرى المؤجلة الأوراش الكبرى المؤجلة



GMT 19:47 2025 السبت ,16 آب / أغسطس

الاثنين أو الأربعاء

GMT 19:40 2025 السبت ,16 آب / أغسطس

«إسرائيل الكبرى»: الحلم القديم الجديد

GMT 19:37 2025 السبت ,16 آب / أغسطس

2025 سنة دونالد ترمب!

GMT 19:34 2025 السبت ,16 آب / أغسطس

هل يقدر «حزب الله» على الحرب الأهلية؟

GMT 19:31 2025 السبت ,16 آب / أغسطس

أحلام ستندم إسرائيل عليها

GMT 19:28 2025 السبت ,16 آب / أغسطس

بـ «السوسيولوجيا» تحكم الشعوب

GMT 19:24 2025 السبت ,16 آب / أغسطس

المستهلك أصبح سلعة

جورجينا تثير اهتمام الجمهور بعد موافقتها على الزواج وتخطف الأنظار بأجمل إطلالاتها

الرياض - الدار البيضاء اليوم

GMT 18:10 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر بيوم مناسب لك ويتناغم مع طموحاتك

GMT 16:59 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

امحمد فاخر يؤكد أن رحيله كان في صالح نادي الجيش الملكي

GMT 14:55 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

يحذرك من ارتكاب الأخطاء فقد تندم عليها فور حصولها

GMT 01:57 2017 الثلاثاء ,26 أيلول / سبتمبر

مطعم "السيارة" في العاصمة السويدية مخصص للعشاق

GMT 02:03 2015 الجمعة ,16 تشرين الأول / أكتوبر

طبيب ينجح في إزالة ورم حميد من رأس فتاة

GMT 17:25 2015 الثلاثاء ,01 أيلول / سبتمبر

تفاصيل الخلاف بين الفنان معين شريف ونجوم آل الديك

GMT 07:02 2017 الثلاثاء ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

متجر للصناعات اليدوية في لندن لمساعدة ضحايا الحرب

GMT 20:51 2021 السبت ,17 إبريل / نيسان

ديكور شبابيك خارجي

GMT 12:25 2018 الأربعاء ,20 حزيران / يونيو

ابرز اهتمامات الصحف الاردنيه الاربعاء

GMT 05:17 2018 الأربعاء ,16 أيار / مايو

افتتاح "حلبة للتزلج" فوق ناطحة سحاب في روسيا

GMT 21:39 2018 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

الفنان الشعبي محمد أحوزار يدخل "عش الزوجية"

GMT 15:12 2018 الأحد ,07 كانون الثاني / يناير

مصمم شهير يحتفل بختان ولديه على طريقة دنيا بطمة

GMT 03:28 2018 الإثنين ,01 كانون الثاني / يناير

تعرف على سر لياقة الفنان المصري عمرو دياب
 
casablancatoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

casablancatoday casablancatoday casablancatoday casablancatoday
casablancatoday casablancatoday casablancatoday
casablancatoday
RUE MOHAMED SMIHA,
ETG 6 APPT 602,
ANG DE TOURS,
CASABLANCA,
MOROCCO.
casablanca, Casablanca, Casablanca