المال السياسي

الدار البيضاء اليوم  -

المال السياسي

توفيق بوعشرين

بلاغ وزارة الداخلية يقول، إلى حدود الثانية عشرة زوالا من يوم أمس الجمعة، إن الانتخابات الجماعية والجهوية تمر في ظروف عادية، أما شهادات المراقبين ومعاينة الصحافيين فتقول إن المال كان حاضرا بقوة، خاصة في البوادي والمدن الصغيرة والأحياء الفقيرة، وإن الانتخابات لا تمر في ظروف عادية، وإن «الشناقة» يطوفون على مكاتب التصويت لإغراء الناخبين بالورقة الزرقاء من فئة 200 درهم، والذين لا يستطيعون إغراءهم بالمال يحاولون، بتواطؤ مع بعض رؤساء المكاتب، على عدم السماح لهم بالتصويت، بدعوى أن أسماءهم غير موجودة في اللوائح الانتخابية، أما السلطة فهي على الحياد السلبي، بعضها عاجز عن ملاحقة «الكاش» الذي يطوف على الجيوب الفقيرة من كثرة الراشين والمرتشين، والبعض الآخر من رجال السلطة يستعملون «عين ميكا» تواطؤا أو لامبالاة تجاه سماسرة الانتخابات. عندما تسأل المسؤولين في الحكومة عن أسباب هذا الحياد السلبي من الإدارة في توقيف ماكينات شراء الأصوات، يقولون لك: «هل تريد من الدولة أن تضع شرطيا فوق رأس كل مرشح من قائمة تضم 131 ألف مرشح لهذه الانتخابات؟ هذا مستحيل. وقف استعمال الماء لشراء ذمم الناس مسؤولية الأحزاب السياسية التي ترشح أناسا ليس لديهم من المؤهلات إلا دفتر شيكاتهم، ومسؤولية المجتمع الذي تقبل بعض فئاته أن تبيع صوتها لشخص فاسد، أما السلطة فإنها لا تعطي أوامر من الرباط لأحد باستعمال المال أو غض الطرف عنه».

هذا كلام سليم، لكنه ناقص. كيف ذلك؟ إفساد الاستشارات الانتخابية بالمال ظاهرة خطيرة تهدد مستقبل الديمقراطية والاستقرار بالمغرب، لكن هذه الظاهرة ليست وباء لا علاج له، وليست فيروسا بدون لقاح، أبدا، الديمقراطية لها أسنان وأظافر، وتستطيع أن تدافع عن نفسها وحماية جوهرها التمثيلي التنافسي الشفاف، وإليكم بعض الإجراءات الكفيلة بالحد من سلطة المال في الانتخابات.

 أولا: الشيء المطلوب في خطة مقاومة المال السياسي الذي يفسد الانتخابات هو وجود إرادة سياسية لدى كل الأطراف لكي تمر الانتخابات في أجواء سليمة، بعدها كل شيء سهل… يمكن للقانون المنظم للاستحقاقات الانتخابية أن يتصدى لـ80٪ من العوامل التي تؤدي إلى استعمال درهم في شراء الصوت، وذلك عبر تغيير نمط الاقتراع، وإلغاء الفردي لصالح اللوائح في المدن والبوادي، وتجميع الدوائر الانتخابية الصغيرة في دائرة أكبر، وتخفيض عدد ممثلي السكان (31 ألف مستشار جماعي وجهوي الآن)، ومراجعة التقطيع الانتخابي، وتخفيض عدد مكاتب التصويت، وتوفير وسائل النقل للسكان في البوادي للتوجه إلى صناديق الاقتراع، وتعديل قانون الأحزاب ليجبر الأمين العام للحزب على وضع مسطرة ديمقراطية وشفافة لاختيار مرشحي الحزب للانتخابات، وإعطاء الأولوية للحزب الفائز بالمرتبة الأولى في الانتخابات لتشكيل الأغلبية في المجالس الجماعية والجهوية، وعدم ترك المجال مفتوحا لشراء الأصوات أثناء تشكيل رئاسات المجالس ومكاتبها، فقد شهدنا كيف حصلت أحزاب بعينها على عمادة عدد من المدن في انتخابات 2009 رغم أن قوائمها جاءت في الصفوف الأخيرة لنتائج الانتخابات. هذه الثغرة القانونية التي رفضت وزارة الداخلية إقفالها تترك المجال مفتوحا لتدفق المال الذي يعوم على انتخابات الكبار لتشكيل مكاتب المجالس ورئاساتها.

 لا يمكننا أن نستمر في هذا الوضع حيث أصبح لدينا نوعان من الانتخابات في المغرب؛ الأولى تمر في ظروف عادية في المدن الكبرى وفي أحياء الطبقة الوسطى، حيث يختار المواطنون من يمثلونهم في المجالس الجماعية والجهوية بشكل شفاف، وانتخابات القرى والدواوير والمدن الصغيرة المهمشة، حيث يحضر المال والبلطجة ويغيب القانون والتنافس الحر… هذا أمر غير مقبول، وسمكة واحدة تفسد أخواتها.

الفقر وحده لا يفسر اتساع ظاهرة استعمال المال في الانتخابات المغربية، إليكم الهند، مثلا، وهي بلاد فيها مئات الملايين من الفقراء، لكن ديمقراطيتها سليمة، وانتخاباتها مشهود لها بالشفافية والنزاهة. سيتوقف المال عن البحث عن أصوات عندما يشعر بأن هناك إرادة سياسية قوية لدى الدولة لتجريم هذه الممارسة، وترك الناس يختارون بإرادتهم الحرة من يمثلهم، ألا يقولون إن رأس المال جبان، نعم، هو جبان إذا وجد إرادة سياسية شجاعة أمامه، أما إذا وجد أمامه جبنا أكبر منه، وخوفا من صندوق الاقتراع الحر، وحسابات سياسوية ضيقة، فإنه يصبح شجاعا. يقول المثل: «ما كان الذئب ليكون ذئبا لو لم تكن الخراف خرافا».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المال السياسي المال السياسي



GMT 19:47 2025 السبت ,16 آب / أغسطس

الاثنين أو الأربعاء

GMT 19:40 2025 السبت ,16 آب / أغسطس

«إسرائيل الكبرى»: الحلم القديم الجديد

GMT 19:37 2025 السبت ,16 آب / أغسطس

2025 سنة دونالد ترمب!

GMT 19:34 2025 السبت ,16 آب / أغسطس

هل يقدر «حزب الله» على الحرب الأهلية؟

GMT 19:31 2025 السبت ,16 آب / أغسطس

أحلام ستندم إسرائيل عليها

GMT 19:28 2025 السبت ,16 آب / أغسطس

بـ «السوسيولوجيا» تحكم الشعوب

GMT 19:24 2025 السبت ,16 آب / أغسطس

المستهلك أصبح سلعة

جورجينا تثير اهتمام الجمهور بعد موافقتها على الزواج وتخطف الأنظار بأجمل إطلالاتها

الرياض - الدار البيضاء اليوم

GMT 17:22 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

أخطاؤك واضحة جدًا وقد تلفت أنظار المسؤولين

GMT 12:32 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجوزاء السبت26-9-2020

GMT 10:46 2018 الأحد ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

توقعات الأرصاد الجوية الوطنية لحالة طقس الأحد في تطوان

GMT 00:35 2018 الخميس ,04 تشرين الأول / أكتوبر

نيللي كريم تكشَّفَ عن تعاقدها على ثلاث أعمال سينمائية

GMT 06:10 2018 الجمعة ,29 حزيران / يونيو

كيفية تطّبيق مكياج يومي يناسب تواجدك في المنزل

GMT 02:46 2016 السبت ,25 حزيران / يونيو

نادي الصيد في الأسكندرية يعلن أول مطعم عائم

GMT 13:25 2016 السبت ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

"إيمان الباني" جميلة مغربية كسبت احترام أمير تركي

GMT 14:22 2016 الأحد ,24 كانون الثاني / يناير

المنتخب السعودي لكرة اليد يتأهل إلى كأس العالم 2017

GMT 19:46 2019 الثلاثاء ,02 تموز / يوليو

وزير الدفاع اللبناني يلتقي بنظيرته الفرنسية
 
casablancatoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

casablancatoday casablancatoday casablancatoday casablancatoday
casablancatoday casablancatoday casablancatoday
casablancatoday
RUE MOHAMED SMIHA,
ETG 6 APPT 602,
ANG DE TOURS,
CASABLANCA,
MOROCCO.
casablanca, Casablanca, Casablanca